ابن عجيبة
533
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( وإنّ وعدك ) : عطف على ( إن ابني ) . و ( أنت أحكم ) : حال من الكاف . و ( إني أعظك ) : مفعول من أجله ، أي : كراهية أن تكون من الجاهلين . يقول الحق جل جلاله : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ بعد تعميم الغرق ، أي : أراد النداء بدليل عطف قوله : فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ، فإنه هو النداء ، أو تكون فصيحة ؛ جوابا عن مقدر ، كأن قائلا قال : ماذا قال في ندائه ؟ فقال : إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجينى وأهلي ، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ لا يتطرقه الخلف ، فما باله غرق ؟ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ؛ لأنك أعلمهم وأعدلهم ، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق . أو لأنك أكثر حكمة من ذوى الحكم ، فلم أفهم حكمة غرقه . قالَ تعالى : يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ؛ لأنه خالفك في الدين ، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي : ذو عمل فاسد . جعل ذاته نفس العمل ؛ مبالغة . وقرأ الكسائي ويعقوب : ( عمل ) بلفظ الماضي . أي : عمل عملا فاسدا ، استحق به البعد عنك . أو : إنه - أي سؤالك - عمل غير صالح . ويقوى هذا قراءة ابن مسعود : « إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم » . وقراءة الجماعة : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أصواب هو أم لا ، حتى تقف على كنهه . وإنما سمى نداءه سؤالا ؛ لتضمنه معنى السؤال ، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع . ثم وعظه بقوله : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي : إني أعظك ؛ كراهة أن تكون من الجاهلين ، الذين يسألون ما لا يوافق القدر . وقد استثنيته بقولي : إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ . وليس فيه وصفه بالجهل ، بل وعظه لئلا يقع فيه ، والحامل له على السؤال ، مع أنه استثنى له ؛ غلبة الشفقة على الولد ، مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول . قالَ نوح : يا رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ في المستقبل ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ؛ ما لا علم لي بصحته . وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ما فرط منى من السؤال ، وَتَرْحَمْنِي بالتوبة ؛ تفضلا وإحسانا ، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل ، أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ بسوء أدبى معك . الإشارة : قال الورتجبي : أدب نبيه نوحا عليه السّلام بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر . وكل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي . وقوله : ( إنه عمل غير صالح ) أي : ليس عمله على موافقة السنة ، ثم وعظه ، وقال : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) ، الجاهل : من جهل قدر اللّه ، أي : أنزهك عن سوء الأدب في السؤال ، على غير قاعدة مرادك . ه . وقال في الحكم : « ليس الشأن وجوب الطلب ، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب » .